عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

280

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

* ( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ) * موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها ، كالمضمار فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل ، أو مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منها واحد كالمطعان ، وقرئ * ( إِنَّ ) * بالفتح على التعليل لقيام الساعة . * ( لِلطَّاغِينَ مَآباً ) * مرجعا ومأوى . * ( لابِثِينَ فِيها ) * وقرأ حمزة وروح « لبثين » وهو أبلغ . * ( أَحْقاباً ) * دهورا متتابعة ، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة ، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقابا مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر ، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار ، ولو جعل قوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ولا شَراباً ( 24 ) إِلَّا حَمِيماً وغَسَّاقاً ( 25 ) جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) * ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ولا شَراباً ) * * ( إِلَّا حَمِيماً وغَسَّاقاً ) * حالا من المستكن في * ( لابِثِينَ ) * أو نصب * ( أَحْقاباً ) * ب * ( لا يَذُوقُونَ ) * احتمل أن يلبثوا فيها أحقابا غير ذائقين إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون جنسا آخر من العذاب ، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق ، وحقب العام إذا قل مطره وخيره فيكون حالا بمعنى لابثين فيها حقبين ، وقوله * ( لا يَذُوقُونَ ) * تفسير له والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار ، أو النوم وبالغساق ما يغسق أي يسيل من صديدهم ، وقيل الزمهرير وهو مستثنى من البرد إلا أنه أخر ليتوافق رؤوس الآي ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد . * ( جَزاءً وِفاقاً ) * أي جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم ، أو موافقا لها أو وافقها وفاقا ، وقرئ « وفاقا » فعال من وفقه كذا . إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) * ( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ) * بيان لما وافقه هذا الجزاء . * ( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ) * تكذيبا وفعال بمعنى تفعيل مطرد شائع في كلام الفصحاء . وقرئ بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله : فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذّابه وإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم ، أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكأن بينهم مكاذبة ، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه ، وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالا بمعنى كاذبين أو مكاذبين ، ويؤيده أنه قرئ « كذابا » وهو جمع كاذب ، ويجوز أن يكون للمبالغة فيكون صفة للمصدر أي تكذيبا مفرطا كذبه . وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه كِتاباً ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ( 30 ) * ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه ) * وقرئ بالرفع على الابتداء . * ( كِتاباً ) * مصدر لأحصيناه فإن الإحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح ، أو صحف الحفظة والجملة اعتراض وقوله : * ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ) * مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة . وفي الحديث « هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار » .